الشنقيطي
267
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قال مقيّده عفا اللّه عنه وغفر له : الظاهر أنّ الإسناد المذكور لا يقل عن درجة الحسن لأنّ طبقته الأولى : سليمان بن حرب ، وهو ثقة إمام حافظ مشهور . وطبقته الثّانية : أبو صالح أو أبو سلمة غالب بن سليمان العتكي الجهضمي الخراساني أصله من البصرة ، وهو ثقة . وطبقته الثّالثة : كثير بن زياد أبو سهل البرساني بصري نزل بلخ ، وهو ثقة . وطبقته الرّابعة : أبو سمية وقد ذكره ابن حبّان في الثقات ، قاله ابن حجر في تهذيب التّهذيب : وبتوثيق أبي سمية المذكور تتّضح صحة الحديث ، لأنّ غيره من رجال هذا الإسناد ثقات معروفون ، مع أنّ حديث جابر المذكور يعتضد بظاهر القرآن وبالآيات الأخرى الّتي استدلّ بها ابن عبّاس - وآثار جاءت عن علماء السّلف رضي اللّه عنهم كما ذكره ابن كثير عن خالد بن معدان ، وعبد اللّه بن رواحة رضي اللّه عنه « 1 » ، وذكره هو وابن جرير عن أبي ميسرة ، وذكره ابن كثير عن عبد اللّه بن المبارك عن الحسن البصري ، كلهم يقولون : إنّه ورود دخول . وأجاب من قال : بأنّ الورود في الآية الدّخول عن قوله تعالى : أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ ( 101 ) [ الأنبياء : 101 ] بأنّهم مبعدون عن عذابها وألمها . فلا ينافي ذلك ورودهم إيّاها من غير شعورهم بألم ولا حرّ منها كما أوضحناه في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) في الكلام على هذه الآية الكريمة . وأجابوا عن الاستدلال بحديث « الحمّى من فيح جهنّم » بالقول بموجبه ، قالوا : الحديث حقّ صحيح ولكنّه لا دليل فيه لمحلّ النّزاع ، لأنّ السيّاق صريح في أنّ الكلام في النّار في الآخرة وليس في حرارة منها في الدّنيا ، لأنّ أوّل الكلام قوله تعالى : فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ( 68 ) [ مريم : 68 ] - إلى أن قال - وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها فدلّ على أنّ كلّ ذلك في الآخرة لا في الدّنيا كما ترى . والقراءة في قوله : جِثِيًّا كما قدّمنا في قوله ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ( 68 ) . وقوله : ثُمَّ نُنَجِّي قراءة الكسائي بإسكان النّون الثّانية وتخفيف الجيم ، وقرأه الباقون بفتح النّون الثّانية وتشديد الجيم . وقد ذكرنا في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) أنّ جماعة رووا عن ابن مسعود : « أنّ ورود النّار - المذكور في الآية - هو المرور عليها ، لأنّ الناس تمرّ على الصراط وهو جسر منصوب على متن جهنّم » « 2 » وأنّ الحسن وقتادة روي عنهما نحو ذلك أيضا . وروي عن ابن مسعود أيضا مرفوعا : « أنّهم يردونها جميعا ويصدون عنها بحسب أعمالهم » « 3 » . وعنه أيضا تفسير « الورود بالوقوف عليها » . والعلم عند اللّه تعالى .
--> ( 1 ) أخرجه عن قيس بن أبي حازم ابن جرير الطبري في جامع البيان 16 / 82 ، 83 . ( 2 ) أخرجه عن ابن مسعود ابن جرير الطبري في جامع البيان 16 / 83 ، والترمذي في التفسير حديث 3159 و 3160 . ( 3 ) أخرجه عن ابن مسعود ابن جرير الطبري في جامع البيان 16 / 86 .